النباء اليقين

ما الذي يطبخه العرب من كوارث جديدة للشعب الفلسطيني ..؟

يمكن فهم هذه العودة الى القضية الفلسطينية التي تتجسد في عقد اجتماع لوزراء خارجية ثلاثين دولة، من بينها الولايات المتحدة، في باريس للتحضير لانطلاق عملية السلام على اساس “حل الدولتين” على انها راجعة لثلاثة احتمالات رئيسية:

 الاول: استشعار العالم الغربي لوجود خطر كبير يهدد دولة الاحتلال الاسرائيلي والبدء في محاولة انقاذها من نفسها وسياساتها المتهورة.

الثاني: التوصل الى قناعة راسخة بأن العرب، وبسبب حال الانهيار التي يعيشونها حاليا على الصعد كافة باتوا في اضعف حالاتهم، وهذا هو الوقت الملائم لانتزاع اكبر قدر ممكن من التنازلات منهم، او فرض الحلول عليهم.

ثالثا: وجود مخطط كبير لحروب اوسع في المنطقة، وتكريس التفتيت والتقسيم على اسس عرقية وطائفية فيها، الامر الذي يتطلب ايجاد غطاء، وقنابل دخان، للتستر على هذا المخطط باللجوء الى القضية الفلسطينية، تماما مثلما جرى عندما تعهد كل من الرئيسين الاميركيين جورج بوش الاب والابن بإقامة دولة فلسطينية مستقلة لتمرير الحربين التدميرتين على العراق، وحصاره ثم احتلاله لاحقا، بعد انهاكه، وبتواطؤ عربي كامل.

***
نشعر بالريبة والقلق من جراء هذه المبادرة الفرنسية المفاجئة، والهرولة العربية الى باريس، وكأننا لم نعش ولاكثر من اربعين عاما الكثير من هذه المبادرات، وما تمخض عنها من مفاوضات واعترافات، واتفاقات سلام قادت كلها الى التطبيع مع دولة الاحتلال، وتوفير الامن والاستقرار لها، ورفع العلم الاسرائيلي في قلب عواصم عربية، والمزيد من الاستيطان والحروب والتهويد، للمقدسات العربية والاسلامية.

22 عاما، ومنظمة التحرير تتفاوض مع الاسرائيليين تحت عنوان “حل الدولتين”، والنتيجة دولة اسرائيلية غير معلنة في الضفة الغربية تضم 800 الف مستوطن، وجيب محاصر مجوع في قطاع غزة، وانقسامات فلسطينية باتت مهزلة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.

ما الذي يطبخه وزراء الخارجية العرب مع الحكومة الفرنسية، وجون كيري وزير الخارجية الاميركي، على صعيد القضية الفلسطينية؟ وهل يريدون ادخال تعديلات جديدة على مبادرة السلام العربية المتعفنة “تشرّع″ تطبيع السعودية ودول خليجية اخرى علاقاتها وتعاونها الامني والاقتصادي مع دولة الاحتلال، ودون التمسك بشرط الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي المحتلة، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة؟.

لا نبالغ اذا قلنا ان الهدف الاساسي من هذا اللقاء المفاجيء هو تشريع التطبيع، واخراج العلاقات واللقاءات والتنسيقات الامنية، من الغرف المغلقة الى العلن، وبقرار من الجامعة العربية التي يهيمنون عليها وقراراتها هذه الايام.

الرفض الاسرائيلي لهذه المبادرة الفرنسية هو مجرد “قنبلة دخان”، للايحاء بأنها مبادرة تصب في مصلحة العرب والفلسطينيين يجب دعمها وتأييدها، وعدم النظر اليها بعين الشك والريبة.

فاذا كانت دولة الاحتلال الاسرائيلي لم تتنازل عن شبر واحد من الاراضي العربية عندما كانت الدول العربية مثل العراق وسوريا ومصر تملك جيوشا قوية، وتحظى بدعم العمق العربي، وعندما كانت القضية الفلسطينية تحتل مرتبة القداسة والمقاومة الفلسطينية والعربية في ذروة قوتها، فهل ستتنازل الان، والامن العربي ينهار، والجيوش تتحلل، والصراع الطائفي على اوجه، والقتل العربي للعربي هو السمة السائدة؟.

رئيس السلطة محمود عباس يبارك هذه المبادرة لانه يدرك ان رفضها يعني نهايته وسلطته، ووقف اموال الدول المانحة عنه، وكما ان كبار المفاوضين يشعرون بغربة لتوقف المفاوضات، ويتحرقون شوقا لعودتها، وتحت اي مظلة كانت، فالمهم هو العودة الى الاضواء، وعدسات التلفزة العربية والاجنبية.

مرة اخرى نضع ايدينا على قلوبنا خشية من تفريط عربي اكبر، او نهائي بالقضية العربية المركزية، او ما تبقى منها، ومن قبل من يدعون انهم عرب ومسلمون، وبختم من تدعي انها سلطة تمثل الفلسطينيين.

عبد الباري عطوان / راي اليوم